مقال

جمعيّة المرأة الريفيّة.. تجربة انتزاع النجاح

في ظلّ غياب الحلول الجذريّة لتمكين المرأة المزارعة، وتدهور الأوضاع في هذا القطاع الحيويّ، قد يكمن الحلّ في بعض الخطوات البسيطة، لمواجهة شحّ المياه وتراجع الصادرات إلى مستويات غير مسبوقة
22 أذار 2017
شارك

تامر خرمه - معاناة القطاع الزراعي، نتيجة شُحّ المياه، والظروف الإقليميّة التي أدّت إلى تراجع الصادرات بنسبة 35%، وبالتالي تآكل فرص التسويق والتشغيل على حدّ سواء، حملت كثيراً من المزارعين على التخلّي عن أراضيهم وطرق أبواب رزق أخرى. هذا التهديد الذي من شأنه تقويض أحد أكثر القطاعات الإنتاجيّة حيويّة وأهميّة، يستوجب اجتراح حلول جذريّة لحلّ الأزمة، أو على الأقلّ إدارتها.

ولكن غياب القرار السياسي أو الحلول الجذريّة لا يمنع من اللجوء إلى خطوات بسيطة، كتلك التي مضت بها جمعيّة تنمية المرأة الريفيّة ومسانديها التعاونيّة، والتي قد تسهم -عبر مراكمتها- في صناعة التغيير، حيث تمكّنت هذه التعاونيّة عبر وسائل فاعلة على بساطتها، من دعم مشاريع الزراعة المنزليّة وتربية الماشية، وتشغيل العاملات، وتسويق بل وتصدير منتجات صغار المزارعين، في مدينة دير علاّ والقرى المجاورة لها بمنطقة الأغوار الوسطى.

الحصاد المائي كان إحدى الوسائل التي تمّ اللجوء إليها لدعم مشاريع الزراعة المنزليّة، ما مكّن كثيرا من الأسر ميسورة الحال من تحقيق الاكتفاء الذاتي، إلى جانب فائض معقول من الأرباح، وذلك عبر إقراض نحو 300 أسرة ما يلزمها لشراء الماشية وبناء الخزّانات، بهدف مواجهة شُحّ المياه.

وتقوم السيّدات، اللواتي يستفدن من هذه القروض للبدء بمشاريعهن الصغيرة، بعرض منتجاتهنّ في البازارات التي تقام داخل الجمعيّة، وخلال المهرجانات التي تنظّم بإشراف وزارة الزراعة، كمهرجان الزيتون، وكذلك عبر المعارض التي تقام في المواسم المختلفة، بالتعاون مع جمعيّات أخرى، في العاصمة عمّان.

وتواصل الجمعيّة نشاطها لمراكمة الإنتاج عبر هذه القروض الدوّارة، حيث تقوم بإقتراض المال من مؤسّسة الإقراض الزراعي، أو غيرها من المؤسّسات، لتعيد إقراضه للمزارعين، بهدف بناء شبكات الريّ أو شراء الماشية، وما إلى ذلك من مشاريع إنتاجيّة، أدّت إلى استقلال كثير من النساء اللوتي أصبحن يمتلكن مزارعهنّ الخاصّة.

الستّينيّة سلطيّة عبدالهادي "أم بديع"، على سبيل المثال، بدأت عملها في الجمعيّة منذ تأسيسها في العام 1989 بشراء بقرة واحدة، لإنتاج الحليب والألبان، ولكنّها تدير اليوم 14 بيتاً بلاستيكيّاً، إلى جانب إنتاج الحليب والألبان وزراعة الحمضيّات والخضار في حديقتها المنزليّة، التي نجحت في تحويلها إلى محطّة إنتاجيّة، ترفد القطاع الزراعيّ.

وبتطوّر فكرة الحصاد المائي، تجاوزت الجمعيّة المشاريع المنزليّة الصغيرة إلى استئجار وحدات زراعيّة، وبناء البرك المائيّة وشبكات الريّ. هذه الفكرة التي لا تقلّ فعاليّتها عن بساطتها أسهمت في مواجهة أزمة المياه إلى حدّ ما، ناهيك بتشغيل العشرات من نساء "دير علاّ" والقرى المجاورة في زراعة القمح وإنتاج "الفريكة".

ولكن هذه الجهود مازالت تصطدم بالتهميش المضاعف للمرأة المزارعة، التي تعاني ظروفاً صعبة كأيّ عامل في قطاع الزراعة، ناهيك بما تعانيه كونها امرأة. مثايل الحويّان، رئيسة الجمعيّة، تؤّكد إصرار المرأة الريفيّة على الانخراط في سوق العمل رغم كلّ شيء، منوّهة بأن كثيراً من خرّيجات الجامعات، اللواتي تدرجهنّ الأرقام والإحصاءات الرسميّة في خانة البطالة، يعملن في المشاغل التي أنشأتها الجمعيّة لتصنيف الخضار، وإعادة تعبئتها قبل تسليمها للمصدّر.

هذه المشاغل التي تنتشل نحو 60 امرأة من هامش البطالة، خلال الموسم الممتدّ من شهر تشرين الثاني إلى شهر حزيران، فتحت كذلك آفاق التصدير لعضوات الجمعيّة، وذلك عبر التعاقد مع المصدّرين لشراء وتعبئة وتصنيف المنتجات الزراعيّة، حيث تعطى الأولويّة لمنتجاتهن.

أمّا الفكرة الأكثر استحقاقاً للاهتمام، فتتمثّل في اعتزام جمعيّة المرأة الريفيّة البدء بمشروع تبريد المنتجات الزراعيّة، حيث بدأت ببناء المخازن لشراء ما يتكدّس من هذه المنتجات في الأسواق نتيجة صعوبة تصديرها، وتجميدها لإعادة طرحها في الأسواق المحليّة عند انتهاء الموسم، عوضاً عن الاستيراد من خارج البلاد. الفكرة مازالت تواجه بعض الصعوبات فيما يتّصل بالتمويل، بيد أن الإصرار الذي تبيده القائمات على المشروع يبشّر بإخراجه للنور على المدى القريب.

ومن شأن هذا المشروع أن يُشكّل، إلى جانب المخازن والمستودعات وقطعة الأرض التي تستثمرها الجمعيّة، رافداً جديداً، يساعدها على تحسين مشاريعها القائمة، والتوجّه إلى مشاريع جديدة، تفتح أبواب العمل لمزيد من السيّدات.

"أم بديع"، التي انخرط سبعة من أفراد أسرتها في العمل بالقطاع الزراعي من خلال الجمعيّة، تعبّر باستمرار عن حماستها لهذه الفكرة، كما أنّها لا تكاد تحتمل انتظار انتهاء بناء المخازن، للحصول على مكان ثابت، يمكّن أسرتها من تسويق منتجاتهم. المشكلة أن المخازن التي بدأت الجمعيّة في بنائها، تواجه بعض المشاكل المتّصلة بترخيصها من قبل الجهات المختصّة، وفي هذا الصدد تؤكّد رئيسة الجمعيّة ضرورة التفريق ما بين المؤسّسات التنمويّة وتلك الربحيّة، فيما يتعلّق بالإجراءات الرسميّة، كمنح التراخيص أو استيفاء الضرائب.

يذكر أن نشاط الجمعيّة لا يقتصر على دعم القطاع الزراعيّ، بل إنّها تسهم ، عبر القروض الدوّارة، في تعليم أبناء الأسر ميسورة الحال، ومساعدة النساء على تجهيز منازلهنّ للزواج عبر أقساط ميسّرة، وما إلى ذلك من إسهامات اجتماعيّة لامست احتياجات أهالي "دير علاّ".

وكانت جمعيّة المرأة الريفيّة قد اصطدمت بكثير من المعيقات التي رافقت مسيرتها، ففي إحدى المحطّات مثلاً، كان الفشل هو مصير مصنع الألبان الذي لم تستطع القائمات عليه منافسة المصانع الكبرى، غير أن الاستسلام لم يكن خيارا طيلة تلك المحطّات، وبالنتيجة نجحت الجمعيّة في تقديم أنموذج احتذت به القرى المجاورة، حيث بادرت بعض النساء اللواتي عملن في هذه الجمعيّة إلى تأسيس جمعيّات أخرى في قراهنّ.

وتعود "أم بديع" بذاكرتها إلى بدايات عملها في جمعيّة المرأة الريفيّة، لتخبرنا بفرح كيف بادرت وزميلاتها بإنشاء مخبز "شراك" لتحقيق الاستقلال المالي، وكيف واصلن مسيرتهنّ حتى تمكنّ من إدارة الوحدات الزراعيّة. الجمعيّة تأسّست بسواعد 17 امرأة، وبرأسمال لم يتجاوز الـ 500 دينار، حيث بدأ العمل ضمن مشاريع بسيطة، كإنتاج المخلّلات و"الشطّة"، والرسم على الزجاج والمرايا، لتبدأ هذه التعاونيّة، التي تضمّ اليوم 65عضواً، بتقديم حلول لمشكلة شحّ المياه، وباستخدام السماد العضويّ والطاقة الشمسيّة -عوضاً عن المنتجات الكيميائيّة- لمكافحة الآفات الزراعيّة.

 

جمعيّة المرأة الريفيّة.. تجربة انتزاع النجاح

الكاتب
الناشر

 

ذات علاقة

بحث

النوعية الاجتماعية

ماذا الدي يردع إنضمام المرأة إلى سوق العمل؟
23 آب 2017
بحث

تقرير المرأة الأردنية في صورة إحصائية

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة
9 أذار 2017
فيديو

مالنا ومالها؟

رغم الأدلة على انه مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية الها مردود إيجابي على المجتمع
9 أذار 2017

من مالنا

مقال
29 أيار 2016
فيديو
17 كانون الثاني 2017
مقال
6 October 2016
فيديو
26 نيسان 2017
فيديو
9 كانون الثاني 2017