مقال

لماذا لا يحدّد المواطن أولويّات الإنفاق؟

لماذا تعجز البلديّات عن تطبيق الموازنة التشاركيّة؟
8 فبراير 2017
شارك

مدينة بورتو أليغيري البرازيليّة نجحت في مضاعفة نفقات الرعاية الصحيّة وعدد الوحدات السكنيّة المنشأة محليّاً، وفي زيادة عدد المدارس الأهليّة من 29 إلى 84 مدرسة، ناهيك بالتطوّرات الحاسمة التي شهدتها المدينة فيما يتعلّق بخدمات الرعاية الاجتماعيّة، وغيرها من الخدمات الأساسيّة.. وذلك خلال عقد ونصف من الزمن، ولكن كيف؟

كلمة السرّ التي مكّنت هذه المدينة، وغيرها من مدن أميركا اللاّتينيّة، من الارتقاء بواقع مواطنيها إلى ما قد يلبّي طموحاتهم، خلال التسعينيّات، هي: الموازنة التشاركيّة، التي لا يمكن حصرها ضمن تعريف محدّد، نظراً لاختلاف التجارب المتّصلة بتطبيقها على مستوى العالم. ومع هذا، يمكن القول بشكل عام: إنّها صيغة تمكّن المواطنين من المشاركة باتّخاذ القرارات بشأن إدارة كلّ أو جزء من الموارد المتاحة، وتحديد أولويّات الإنفاق، سواء على مستوى الدولة، أو المجالس المحليّة.

هنا يكون المواطن هو صاحب القرار في حال فرضت احتياجاته إنشاء مدرسة، أو تعبيد طريق.. أو اقتصرت على الاكتفاء بتدوير النفايات.

قد يبدو الأمر جاذباً بعض الشيء، فكثيرة هي التجارب التي أثبتت فعاليّة تطبيق هذا المفهوم في إرساء ركائز الشفافيّة والحكم الرشيد.

وما أحوج الأردن إلى الاستفادة من مثل هذه التجارب!

في تشرين الثاني عام 2012، بدأ مركز الشركاء بمشروع تطبيق مفهوم الموازنة التشاركيّة على مستوى المجالس المحليّة، وذلك في ستّ بلديّات، هي: النسيم والكفارات في شمال المملكة، والفحيص وناعور في الوسط، والكرك وشيحان في الجنوب.. جهود لافتة بذلها القائمون على هذا المشروع خلال عامين، بهدف تطوير موازنات البلديّات، وفقاً لأولويّات احتياجات المجتمعات المحليّة.

ترى، هل كتبت الاستدامة لهذا المشروع الذي جاء لملامسة حاجة ملحّة؟ نظرة راهنة على واقع إحدى البلديّات التي استهدفتها التجربة لا تثير شهيّة التفاؤل، ففي الكرك -مثلا- انتهت الحكاية قبل أن يجفّ عرق "الشركاء"، بل إن كثيراً من أعضاء المجلس البلدي احتفظوا بوجودهم خارج دائرة المشاركة، حتّى أن بعضهم تبيّن عدم درايته بمصطلح الموازنة التشاركيّة. لماذا؟

بين إنشاء المسالخ وهدم الأبنية

عوامل كثيرة وضعت الفكرة، على أهمّيّتها، في زاوية اللاجدوى، حيث يغيب الدافع الحقيقيّ لتبنّي مفهوم الموازنة التشاركيّة استراتيجيّاً، كنهج لإدارة المواطنين لشؤونهم المحليّة. في مقدّمة هذه العوامل القوانين والتشريعات الرسميّة، التي تجعل من سقف صلاحيّات البلديّات -رغم قانون اللامركزيّة- أدنى ممّا يمكّنها من ملامسة أولويّات الناس.

الصحّة والتعليم والمواصلات والرعاية الاجتماعيّة، وغيرها من المجالات المتعلّقة بأولويّات الناس، تقع خارج نطاق صلاحيّات البلديّة، وفقاً لقانون البلديّات رقم (41) لسنة 2015. مثلاً، يقتصر دور البلديّة فيما يتّصل بالتعليم على "التنسيق" مع الجهات المعنيّة لـ "تحديد" مواقع المدارس وصيانتها، فاتّخاذ القرارات بإنشاء المدارس ليست ضمن الصلاحيّات التي أوردها هذا القانون.

وكذلك الأمر بالنسبة لما يتعلّق بالصحّة، والمواصلات، وحتّى الخدمات الأساسيّة، كالمياه والكهرباء والصرف الصحّي، حيث يقتصر دور البلديّات على "المساهمة" ببعض الأمور المرتبطة بهذه القطاعات.

اللافت أن 45% من صلاحيّات البلديّات، التي حدّدها القانون المذكور بـ 29 بنداً، تقتصر على "المساهمة" أو "التنسيق" مع الحاكم الإداري أو الجهات المعنيّة، حيث وردت كلمة "تنسيق" 9 مرّات في في هذا القانون، فيما وردت كلمة "مساهمة" أربع مرّات.

لذا، من الصعب إقناع المجتمع المحلّي بالمشاركة الفاعلة في إعداد موازنات تشاركيّة، تحدّد أولويّات الإنفاق، لمؤسّسات تختزل صلاحيّاتها "الحقيقيّة"، في مهمّات "أوّليّة"، من قبيل: إنشاء المسالخ، وتدوير النفايات، وتعيين مواقع المقابر، وهدم الأبنية.. وذلك رغم أهميّة هذه المهمّات.

طفر.. ومحطّات عابرة

أضف إلى هذا أن النسبة المتاحة لمشاركة المواطنين في تحديد أولويّات الإنفاق، تتراوح ما بين 15-20% من موازنات البلديّات، التي تستحوذ الرواتب والنفقات الجارية على 80% منها، بل إن بعض البلديّات تتجاوز نفقاتها الجارية سقف الـ 100%. ولا ننسى أن هذه النفقات الجارية لا تخضع لرقابة الناس.

وإلى جانب ضيق الهامش الذي تتيحه هذه النسبة، فإن قيمة المبالغ الماليّة المتوافرة ضئيلة للغاية، بسبب شحّ الإيرادات، وتراكم الديون المستحقّة للبلديّات على المواطنين، ما يجعل من الصلاحيّات الماليّة التي منحت من خلال قانون البلديّات (في المادّة 5-أ) مثل: "إعداد الخطط الاستراتيجيّة والتنمويّة"، و"إعداد البرامج ومتابعة تنفيذها لتحقيق التنمية المستدامة"، و"استثمار أموال البلديّة"، غير مجدية.

أمّا الطريف، فهو الطريقة التي تقرّ من خلالها الأمور الماليّة، كالموازنة -التي يحتاج إقرارها بالطبع إلى موافقة وزير البلديّات- وغيرها. إحدى أعضاء بلديّة الكرك وصفت عمليّة اتّخاذ القرار بأنّها لا تتجاوز الثلاث كلمات: "موافقين؟ آه موافقين"!

أمام هذا الواقع، لا يمكن توقّع كثير من النتائج، التي يمكن للمنظّمات غير الحكوميّة تحقيقه في سياق الترويج للموازنة التشاركيّة، ناهيك بعدم قدرة هذه المنظّمات على متابعة مجريات الأمور بعد انتهاء المشروع، وفقاً لما تثبته تجربة الكرك وغيرها من البلديّات التي خاضت هذه التجربة، وغياب منظّمات المجتمع المدني المحليّة، القادرة على الفعل والتأثير، والتي يفترض وجودها كشريكة للمنظّمات غير الحكوميّة، لإنجاح أيّة تجربة، وضمان استمراريّتها.

"لا توجد جهات داعمة للتطبيق.. ورش العمل مجرّد محطّات عابرة.. أمّا اللجان التي يتمّ تشكيلها فهي محض حبر على ورق".. هكذا وصف بعض أعضاء مجلس بلديّة الكرك واقع الحال، فيما يتعلّق بمتابعة وديمومة معظم المشاريع التي تبادر إليها المنظّمات غير الحكوميّة.

برستيج من غير مشاكل

عوامل أخرى أسهمت في تعميق عجز البلديّات عن تطبيق مفاهيم كمفهوم الموازنة التشاركيّة، منها عدم دراية بعض أعضاء المجالس البلديّة بطبيعة عملهم، حيث يعتبرون موقعهم ضرباً من ضروب "البرستيج" أو "المخترة"، ما يعمّق تفرّد رئيس البلديّة، الذي غالبا ما يهبط على أعضاء مجلسه بالقرارات الجاهزة المنزلة، وبالتالي تغيب أدنى الأسس المطلوبة للعمل التشاركي.

وأمام المنطق الأبوي الذي يفرضه كثير من رؤساء البلديّات -بهدف تمرير قرارات سلطة أعلى منهم- يبادر البعض إلى محاولة إرضاء السلطتين واستعراض "قوّته" في آن واحد، وذلك عبر استهداف الحلقة الأضعف وفقاً لاعتباراته: المرأة.. " يا بنات الحلال فكونا من هالسواليف".. "انتن كل شي بدكن تبلشوا فيه".. "بدكم تساووا لينا مشاكل".. هذا غيض من فيض العبارات التي تشهدها مجالس بلديّة، في محطّات مختلفة!

ولا ننسى غياب الثقة بكافّة المؤسّسات الرسميّة وشبه الرسميّة، ورغم أن البلديّة "مؤسّسة أهليّة"، إلاّ أنّ الناس مازالوا يعتبرونها "تابعة" للسلطة التنفيذيّة، وذلك نتيجة للواقع الذي تعانيه البلديّات، ما يقود المواطن إلى التعامل معها، حتّى منذ بدء انتخابات تشكيل رئيسها وأعضاء مجلسها، بذات المنطق الذي يتعامل فيه مع الانتخابات النيابيّة، والتي لا يرى فيها إلاّ وسيلة لإيصال أحد أبناء العشيرة، ممّن يمكنهم تحقيق مطلب شخصيّ معيّن يأمل تحقيقه.

ستّة أشهر تفصلنا عن موعد إجراء الانتخابات البلديّة المقبلة، في ظلّ قانون اللاّمركزيّة، الذي ينفّس عن ضيق صلاحيّات المجالس المحليّة بعض الشيء، وقد يكون من المفيد تبنّي مقاربة تفعّل دور البلديّات، وتمكّن المجتمعات المحليّة من الإسهام في تحديد أولويّات الإنفاق، عوضاُ عن اختزال عضويّة المجلس البلديّ في إطار "المخترة"، أو التمثيل العائليّ.

في النهاية الموازنة التشاركيّة صيغة تجمع ما بين الديمقراطيّة التمثيليّة والديمقراطيّة المباشرة، وتعدّ أحد أخلص تجليّات مفهوم المواطنة، لذا فتطبيقها يحتاج إلى منظومة عمل متكاملة.. وهنا يطرح التساؤل القديم ذاته: من أين نبدأ؟
 

لماذا لا يحدّد المواطن أولويّات الإنفاق؟

الكاتب
الناشر
كلمات دلالية

 

ذات علاقة

مقال

مغتربون أردنيون: نفكّر بالعودة ولكن

العمل على إلغاء سياسة "البيروقراطية" التي تعاني منها بيئة الاستثمار
23 حزيران 2017
فيديو

هجرة الأدمغة

هل السوق الاردني سيستوعب المغتربين بعد عودتهم من جديد ؟
15 حزيران 2017
فيديو

صعوبات رقابية مُرهقة

يقوم ديوان المحاسبة بالرقابة على الاداء الحكومي والمال العام، ولكن
8 حزيران 2017

من مالنا

بحث
17 كانون الثاني 2017
بحث
29 أيار 2016
فيديو
9 فبراير 2015
فيديو
12 فبراير 2017
فيديو
27 نيسان 2016