مقال

إستثمار مخرجات التعليم لسد العجز والدين العام

المرأة متساوية في التعليم ومتدنية في الاقتصاد
26 كانون الثاني 2017
شارك

 

"الحكومة تنتهج الجباية"

"الحكومة تمد يدها الى جيب المواطن"

"تشليح المواطن لتحصيل 450 مليون دينار"

ذكر كل ما سبق في سياق الحديث حول مشروع الموازنة العامة للدولة (والذي أقر من مجلس الأمة) من قبل أعضاء مجلس الأمة، وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الإجتماعي. بيّن النقاش الدائر مقدار السخط الشعبي تجاه الإجراءات الحكومية والتي تندرج في سياق برنامج الاصلاح المالي بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي. سيقرأ إقرار الموازنة، والذي أقر دون تعديل يذكر، كموافقة ضمنية من قبل مجلس الأمة على الإجراءات الاصلاحية التي اقترحتها الحكومة ومنها رفع ضريبة المبيعات على عدد ليس بقليل من السلع ورسوم إضافية على قطاعات منها (الإتصالات مثالاً). بالإضافة الى ذلك، فإن إقرار ما يعرف ببند "الضرائب الأخرى" دون تبيان تفاصيل تلك الضرائب في نص القانون، يعطي الحكومة صلاحية في فرض ضرائب جديدة دون الرجوع الى مجلس الأمة. هذا الإقرار يحمل في طياته شبهة دستورية للمادة 111 من الدستور والتي تنص أن لا تفرض ضريبة دون قانون.

تشترك جميع الإجراءات المقترحة التي تم تداولها في أروقة مجلس النواب بأنها تستهدف زيادة الإيرادات الحكومية والتي سيكون لها أثر سلبي على المواطن والقطاعات الاقتصادية نتيجة للتباطؤ الاقتصادي الذي ما زلنا نشهده منذ العام 2011. أتت تلك الإجراءات لمجابهة عجز الموازنة والمقدر بقيمة 827 مليون دينار والدين العام الذي وصل الى 26.2 مليار دينار أو ما يعادل 95.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016.

نظراً الى ما سبق، فإن الحديث يدور حالياً على السبل البديلة لردم عجز الموازنة وتخفيض مستوى الدين العام دون المس بالخدمات العامة التي تقدمها الحكومة والتي من أهمها التعليم والصحة.

الطريق الوحيد والمستدام لرفع من سوية الموازنة العامة هو إستثمار مخرجات التعليم والموارد البشرية لدينا؛ خصوصاً القدرات الكامنة والغير مستغلّة للمرأة والتي تمثل نصف المجتمع الأردني.

إن نظرنا الى مدخلات التعليم، فنرى أن الحكومة تصرف ما يعادل 3.5% الى 4% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم العام كل سنة في حين بلغ الإنفاق في عام 2016 حوالي مليار دينار أردني (حوالي ثمن الإنفاق الحكومي الإجمالي)

 إن هذا الإنفاق، والذي يعتبر أقل من المعدل العالمي والمقدر بـ 4.4%، لا يميز إطلاقاً بين الرجل والمرأة. عدم التمييز هذا أدى الى وصول الأردن الى المرتبة الأولى عالمياً في بعض من المؤشرات الجندرية (نسب الالتحاق في التعليم بين الرجل والمرأة) والصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي. لكن، هل يحصد الأردن منافع هذا التساوي بين الرجال والنساء في التعليم؟ إن نظرنا الى سوق العمل، فإننا نرى أن المرأة الأردنية تعاني من التمييز، خصوصاً من منظور النشاط الاقتصادي، على أكثر من جبهة:

• بلغت نسبة المشاركة الاقتصادية للمرأة الأردنية 13.3% في عام 2015 مقارنة مع 60.4% للرجل.

• تعاني النساء من نسب بطالة أعلى بلغت 22.5% مقارنة مع 11% للرجل.

• تجني النساء رواتب أقل عن ذات العمل مقارنة بالرجل حيث تجني المرأة 87 قرشاً عن كل دينار يجنيه الرجل عن ذات العمل.

تعتبر هذه الظواهر التمييزية الثلاث تجسيداً للتمييز الاقتصادي الذي تعاني منه المرأة والذي يؤدي الى عدم إستغلال قوتها اقتصادياً والذي يكلف الأردن ما يعادل 46% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن، ما تكلفة هذا التمييز للحكومة، خصوصاً في ظل تركيزها اللامتناهي على زيادة إيراداتها؟

 للحصول على جواب لهذا السؤال، أجريت دراسة تهدف الى تقييم إيرادات الحكومة الضائعة نتيجة لضعف النشاط الاقتصادي للمرأة الأردنية. في هذه الدراسة، تمت محاكاة دورة حياة لمئة رجل ومئة مرأة يمتثلون في خصائصهم لخصائص المجتمع الأردني في مستويات التعليم وقطاعها (عام أم خاص) ومستوى النشاط الاقتصادي حسب العمر ومستوى التعليم.

خلصت هذه الدراسة بأن تكلفة التعليم للرجل والمرأة، بمعدلها، متساوية في سياق الإنفاق الحكومي. لكن، عند دراسة واقع سوق العمل، وخصوصاً تطور الحياة العملية للرجال والنساء وحساب أجورهم وكمية المبالغ التي يردونها للحكومة من ضرائب ورسوم، نجد أن الرجل الأردني يرد للحكومة 7 أضعاف ما ترده المرأة من ضرائب ورسوم للحكومة!

 

هذا لا يعني أن الرجل يدفع نسب ضريبية أعلى، لكن نتيجة لضعف النشاط الاقتصادي للمرأة (نتيجة لتدني المشاركة، البطالة المرتفعة، وفجوة الأجور)، فإنه، وبالمعدل، فإن الرجل الأردني يدفع على مدى حياته ما يعادل 33 ألف دينار في ضرائب ورسوم مقارنة مع 5 آلاف دينار للمرأة. هذه المبالغ تعبر عن المعدل للعام؛ يعزى الإختلاف بينهما بشكل رئيسي الى تدني المشاركة الاقتصادية للمرأة والذي يفسر 93% من الفرق!

 

يمكن لنا أن نقرأ هذه النتائج بشكل آخر، وهنا أخاطب وزير المالية واللجنة المالية في مجلس النواب بشكل مباشر: إن أردتم أن ترفعوا من إيرادات الدولة، فبدلاً من "تشليح المواطن"، يمكن لكم أن ترفدوا الخزينة بإيرادات ضريبية مباشرة تنتج عن زيادة مشاركة المرأة في الاقتصاد وعملها، تخفيض نسب البطالة المجحفة بحق المرأة، وضمان أن يكون أجر المرأة عن ذات العمل مساوي للرجل.

 

تحقيق ما ذكر يتطلب إرادة سياسية لمعاجلة الإختلالات العديدة في الاقتصاد الأردني والتي تثبط من تحقيق الإستفادة الكاملة من القدرات الكامنة للمرأة الأردني. لكن، يا حكومة، إن كنتم تبحثوا عن الإيرادات، وتتخذوا قرارات سريعة لزيادتها، إستثمروا في الموارد البشرية الأردنية، وإجعلوا من البيئة الإستثمارية بيئة ملائمة لخلق فرص عمل من قبل القطاع الخاص. سنستفيد نحن من تحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة الكاملة في المجتمع، لكنها في ذات الوقت ستزيد من إيراداتكم!

 

 

إستثمار مخرجات التعليم لسد العجز والدين العام

الناشر

 

ذات علاقة

فيديو

تأهيل و تدريب المعلمين

اغلب المعلمين لا يعرفون اسس التعليم
26 نيسان 2017
فيديو

المعلم : الحلقة المفقودة

المسؤول عن مستقبل الدولة
17 نيسان 2017
فيديو

لا معايير للمعلم

8 نيسان 2017

من مالنا

مقال
8 حزيران 2017
بحث
10 كانون الثاني 2017
بحث
13 حزيران 2016