مقال

لعبة تشكيل المطبخ البرلماني

تعتمد آلية تشكيل اللجان النيابة على التوازنات السياسية بدلا من الكفاءة
12 كانون الثاني 2017
شارك

اللجان النيابيّة يفترض أن تكون "المطبخ البرلماني" الذي يناقش مشاريع القوانين المقترحة، ويتّخذ القرارات بشأنها، إمّا بردّها، أو تعديلها، أو إقرارها. وهنا تتجلّى المعضلة، فما يهيمن على آليّة تشكيل تلك اللجان هي لغة المصالح الشخصية، ولعبة التنفيع، والصفقات المبرمة بين التيارات والكتل المتصارعة على المكاسب، دون النظر إلى الخبرات والكفاءات.

“تعتبر الكتل النيابية اللجان مكتسبات لها، حيث تتقاسمها في ظل تدخلات أمنيّة، تضمن ضبط العمل البرلماني ضمن سياق أمني، دون أدنى اعتبار للأسس والمعايير الأكاديميّة أو المهنيّة، فالمسألة محض ترتيب أوراق بين السلطة التنفيذيّة، والكتل البرلمانية الكبرى”.

هكذا يصف النائب السابق علي السنيد عمليّة تشكيل اللجان النيابيّة، مؤكداً أن “المجلس شهد كثيرا من النوّاب الذين تربطهم بالحكومة مصالح تتعلّق بمستقبلهم السياسي، أو مصالح اقتصادية تدفعهم للتنسيق مع السلطة التنفيذيّة للحصول على بعض المكتسبات".

ولتتضّح الصورة أكثر، دعنا نلقي نظرة على واقع لجنة الحريّات، التي يرتبط دورها بالقضايا المتعلّقة بالحريّات العامّة، كقضايا التوقيف، وغيرها ممّا يتّصل بعمل الحاكم الإداري، لنجد أن نصف أعضاء هذه اللجنة لا تربطهم أيّة علاقة أكاديميّة بمبادئ حقوق الإنسان، بل على العكس من ذلك، فإن ٤٠٪ منهم سبق وأن عملوا في مؤسّسات عسكريّة وأمنيّة، ما يعني أنّهم على صلة شخصيّة ووديّة بالمؤسّسات التي يفترض بهم مراقبتها.

ينطبق هذا الواقع على كثير من اللجان، وبالأخصّ تلك التي تحدّد المسار البرلماني وترسم توجّهاته، والتي تشتد حدّة التنافس على عضويّتها، كاللّجنة القانونيّة التي يناط بها دراسة مشاريع القوانين المقترحة، واللجنة الماليّة التي تعدّ مخرجاتها أوّل تحدّ للسلطة التنفيذية بعد جلسة منح الثقة، والمقصود هنا تحدي إقرار مشروعيّ قانونيّ الموازنة العامّة، وموازنة الوحدات الحكومية، "فردّ مشروع قانون الموازنة يعني إيذاناً بحجب الثقة عن الحكومة".

كما تعدّ مخرجات عمل اللجنة الماليّة تحدّياً لأعضائها، حيث ستعكس هذه المخرجات مدى درجة استقلاليّة قرارات اللجنة، وقدرات الأعضاء على استثمار كفاءاتهم في ما يخدم إرادة ومطالب الناخب.

وماذا يريد الناخب؟ نظاما ضريبيّا عادلاً، وإنفاقاً رشيداً، وأداء حكوميّا يلبّي استحقاقات معايير الجودة. وبإختصار: عدالة في الجباية وكفاءة في الإنفاق.

ولكن ما يحدث عاماً بعد عام هو العكس تماماً، حيث تزيد النفقات الجارية و تلجأ الحكومة إلى رفع الضرائب غير المباشرة لسداد عجزها، ما يشكّل عبئاً على الطبقات الوسطى والفقيرة على وجه الخصوص. وفي المقابل يتراجع أداء الحكومة، وجودة الخدمات المقدمة.

كانت الحكومة قد أعلنت قبل عشر سنوات عن البدء بتطبيق مبدأ الموازنة الموجهة بالنتائج، كخطوة على طريق إصلاح الإدارة الماليّة، بهدف ربط الإنفاق بأهداف تنمويّة محدّدة تقاس بمؤشرات أداء. ولكن لم يتحقق أي تقدم يذكر في هذا السياق، بل تستمر الحكومة بضخ الملايين على مشاريع متعثرة لا تحقق أهدافها. بحسب دراسة منتدى الاستراتيجيات الأردني فإن ٥٠٪ من الدوائر الحكومية أنجزت ٠٪ من متطلّبات مؤشرات قياس أدائها، أو أقل من ذلك.

فكيف يتم الاستمرار بضخ الملايين على مشاريع متعثرة، وأخرى لا نشهد إنجازها..  أين الخلل؟

عندما سئل النائب أحمد الصفدي، رئيس اللجنة المالية، والتي يأتي ضمن اختصاصها مراقبة الإنفاق الحكومي ودراسة مشروع قانون الموازنة، عن مدى تمعن اللجنة في فعالية الإنفاق العام من خلال دراسة أهداف الحكومة المعلنة في مشروع قانون الموازنة ومدى تحقيقها مؤشرات الأداء، كان جوابه "ما هي مؤشرات الأداء؟؟".

هنا بالتحديد تتضح أهمية كفاءة واستقلالية اللجان النيابية في مراقبة وضبط الأداء الحكومي.

 

كيف تتشكّل اللجان؟

الأصل أن يقوم أعضاء البرلمان بانتخاب المرشحين لعضوية اللجان النيابية، والتي يبلغ عددها ٢٠ لجنة، ومن ثم تقوم كل لجنة بانتخاب رئيسها ونائب الرئيس. ولكن العرف السائد فرض معادلة غريبة، "يتوافق" بموجبها النواب على أسماء رؤساء وأعضاء اللجان.

وتبدأ لعبة تحديد مخرجات عملية انتخاب اللجان النيابية حتى قبل خوض غمارها، وذلك عبر "التوافق" على "توزيع" هذه اللجان بين التوجهات المختلفة، التي تتشكّل في بدايات انعقاد المجلس النيابي، وتحديدا خلال عملية انتخاب رئيس المجلس وأعضاء المكتب الدائم، وبالطبع لا يمكن صياغة "توافق" دون تدخلات خارجية، حيث تفرض توازنات القوى إيقاعها، ما يجعل من عملية التخلص من الأسماء "غير المتوافق" عليها مسألة في غاية السهولة.

اللافت أن عمليّة تقاسم اللجان بين هذه التوجّهات والاصطفافات تجري قبل تشكيل الكتل النيابيّة، وهو ما يؤكدّده النائب خالد رمضان، مؤسّس كتلة معا، "إن انتخابات اللجان النيابيّة تأثرت بإرهاصات انتخاب المكتب الدائم، وعكست المناخ الذي كان سائدا حينها، في ظل عدم اكتمال تشكل كافة الكتل، باستثناء كتلة الإصلاح، ما يعني أن الكتل النيابية لم تقم بترشيح ممثليها في اللجان"!

ويقول النائب تامر بينو، عضو كتلة الإصلاح، إن النواب “يتهاوشون أثناء تنافسهم لنيل عضوية ورئاسة لجنة ما، ثم يتكرر غياب النصاب عن اجتماعات اللجنة بعد تشكيلها"، فما الذي يحمل نائباً على الصراع مع زملائه للانخراط في لجنة يتغيب عن معظم اجتماعاتها فيما بعد؟ بينو يفسر الأمر بتبني البعض لموقف ـ مؤيد أو معارض ـ يتعلق بملف ما تعتزم الحكومة طرحه على البرلمان، لذا قد يصر أحدهم على دخول اللجنة المعنية، ولكن أحيانا تقتصر مشاركته على الاجتماعات المخصصة لهذا الملف.

ولكن هل يمثل هذا الدافع الوحيد، الذي يفسر تدافع كثير من النواب على لجان معينة؟ أوليس من الممكن “أن يكون لأحدهم مصالح اقتصادية في قطاع ما، فينخرط في عمل اللجنة المختصة بشؤون هذا القطاع، حتى لو لم يكن على دراية كافية بطبيعة عملها”، وفقا لما يؤكد النائب قيس الزيادين.

المسؤوليّة المشتركة

هذا هو واقع المطبخ النيابي.. وكما يكمن دور البرلمان في مراقبة أداء الحكومة وترشيده، فإن دورنا هو مراقبة أداء البرلمان ومطالبته بتمثيلنا. لا يكفي الاكتفاء بتحقيق مطالب خدميّة، أو نيل "وظيفة" أو "مقعد جامعيّ"، أو غير ذلك من "مكتسبات" قد تعود علينا، لأن ذلك لن يزيد الطينة إلاّ بلّة، فهذا المنطق هو ما أنتج الأزمة التي تلقي بظلالها على البرلمان.

أعضاء المجلس النيابيّ قدّموا أنفسهم، وفقاً لتعديلات قانون الانتخاب، بوصفهم أعضاء كتل تحمل برامج انتخابيّة، ترى.. لم لا تسأل ممثلك عن ملامح برنامجه، الذي يفترض به انتشالك من أزمتك المركّبة؟

 

لعبة تشكيل المطبخ البرلماني

الكاتب
الناشر

 

ذات علاقة

مقال

براءات الاختراعات الأجنبية تتفوق على المحلية في النصف الأول من العام الحالي

سجلت 13 طلباً ٬ والأجنبية 140 طلباً٬ مقابل 22 طلباً محلياً عام 2016 و 256 طلب أجنبي .
16 تموز 2017
مقال

كنوز الاردن في الخارج دون خيوط تواصل

على اجهزة الدولة كافة انشاء خيوط اتصال، مع المغتربين الاردنيين في الخارج
4 تموز 2017
مقال

مغتربون أردنيون: نفكّر بالعودة ولكن

العمل على إلغاء سياسة "البيروقراطية" التي تعاني منها بيئة الاستثمار
23 حزيران 2017

روابط خارجية

من مالنا

فيديو
17 أيلول 2017
فيديو
28 أيلول 2017
بحث
5 December 2016
فيديو
8 أذار 2017