مقال

المناهج والتعليم من خلال التفكير: مبادئ أساسية.. قبل التطبيقات (2 - 3)

بيئة التفكير هي كل المؤثرات التي تحيط بالطالب من مدرسة ومعلم وزملاء وأسرة ومؤسسات مجتمعية كالإعلام والمؤسسة الدينية
21 December 2016
شارك

من المهم في هذا الجزء أن نشير الى امرين مهمين هما: 
- بيئة التفكير او البيئة الملائمة للتفكير.
- أخطاء او مغالطات في التفكير.
لننتقل بعدها الى تطبيقات عملية في مناهج التربية الاسلامية، اللغة العربية، التربية الوطنية، التاريخ والرياضيات.وهي كما ذكرت سابقاً تطبيقات مفيدة للأهالي والطلبة والمعلمين والأكاديميين البعيدين عن التطبيق العملي.
أولاً: بيئة التفكير
يقصد ببيئة التفكير كل المؤثرات والخبرات التي تحيط بالطالب من مدرسة ومعلم وزملاء وثقافة وقوانين مدرسية، وما يحيط به من اسرة وثقافة اسرية وعلاقات منزلية.
واخيراً، ما يحيط او يؤثر عليه من ثقافات اجتماعية وقيم ورفاق ومؤسسات مجتمعية كالاعلام والمؤسسة الدينية وغيرها.
ان البيئة المثيرة للتفكير هي البيئة التي تخلصت من عوائق التفكير وأخطائه، واتسمت بمجموعة من الخصائص المحفزة للتفكير، وسنبدأ بعوائق التفكير.

ثانياً: معوقات التفكير:
ان المناهج الجيدة تتجنب معوقات التفكير، وتوجه الطلبة نحو التفكير، ولعل ابرز المعوقات النظرة الجزئية غير الشاملة للموقف، فمثلاً، حين نتحدث عن اسرة قامت برحلة، لا يهمنا فنيات الرحلة بمقدار ما يهمنا ما فيها من قيم وأخلاق، حيث يفترض ان نركز في رحلة الى الكرامة مثلاً على ما يأتي:
- اجتمعت الاسرة وناقشت وكان قرارها توافقياً.
- التخطيط للرحلة قبل موعدها.
- تهيئة متطلبات الرحلة.
- ما يمكن ان نمارسه خلال الرحلة.

فهذه الأمور بدهية، ولكن ما نشاهده اغفالها في الكتب المدرسية، وهي بنفس أهمية المكان وقيمه ورمزيته.فالنظرة الكلية: فنياً واخلاقياً هي ما تجعل الطالب قادراً على التفكير شمولياً، وليس على حساب اهمال قيم اخرى، ويمكن اجمال اخطاء التفكير الواردة في الكتب المدرسية

بما يأتي:
1 - مغالطة التعميم، حين نتحدث عن فرد ما، فإننا نعكس هذا السلوك ربما على عائلته أو ابناء وطنه أو ابناء دينه، فحين نتحدث عن رجل ما، لا يحق لنا ان نقول انه بدوي او عربي او مسلم... الخ، خاصة اذا كان الحديث سلبيا.
2 - مغالطة التخطيط، تتأثر احكامنا وسلوكاتنا عادة بخبراتنا ومعلوماتنا المسبقة الجاهزة. فحين نتحدث مثلاً عن شخص اوروبي فإننا نضفي عليه احكاماً عديدة، ربما لا علاقة له بها، مثل انه ضد العرب، يؤيد اسرائيل، يفكر موضوعياً.. الخ.
فمن المفترض ان يمنع الحديث عن الاشخاص بغير سلوكاتهم الشخصية، وما اشد ايلاماً حين نروي نكتة عن شخص بدوي، صعيدي.. الخ، بالنسبة لمن هم من نفس الفئة. 
3 - الاستنتاج الخاطئ، من المفروض ان تهتم الكتب والمناهج بأساليب وظروف الاستنتاج الصحيح.
فإذا امطرت لا نستنتج ان الطقس بارد، واذا تأخر شخص عن موعد لا نستنتج انه غير مهتم. وإذا سمعنا بحادث سيارة لا نستنتج ان السرعة هي السبب.
4 - التجاور الزماني والمكاني لا يعني ان هناك سبباً ونتيجة، فالتلازم بين البرق والرعد يختلف عن التجاور غير السببي، مثل وجود حادث سيارة مع شخص ارتكب قبل يومين فعلاً سلبياً معنا.. او التلازم بين الشجرة وظلها، فهل للشجرة ظل في غياب الاضاءة؟
5 - مغالطة فتاة القرية، حيث اعتقد سكان قرية نائية منعزلة، ليس لهم صلة بأي مكان آخر مع قريتهم، ان فتتاتهم هي اجمل فتاة في العالم، علماً بأنها لا تتمتع بأي من مواصفات الجمال، لكن انحسارهم وعزلتهم جعلتهم يشعرون بأنها هي الأفضل. وهذا ما يحدث حين  نقيم شاعراً او قصيدة او ثقافة او دينا بمعزل عن الآخرين.
6 - الانحياز للذات او الثقافة المحلية، حيث لا يحق لأي شخص ان يشعر بأنه الافضل، وان عائلته كذلك وثقافته وعاداته وتقاليده وقيمه هي افضل القيم. فماذا يعني ان يقول شعب ما بانه شعب الله المختار، او يقول آخر سبقنا العالم في حقوق الإنسان او المرأة وغيرها؟
7 - انتقاء الادلة المؤيدة، وإهمال الادلة الاخرى، فالحكم الدقيق يرتبط بجميع الادلة. حيث لا يكفي دليل على صحة حدث ما اذا وجدت ادلة مغايرة. كما ان المناهج يجب أن تحفز على التمييز بين الادلة والمؤشرات والبراهين.
8 - التسليم بصحة المعلومات دون فحصها والشك فيها، ففي أي كتاب مدرسي يجب أن يهتم بنقد أية معلومة أو حتى حقيقة او قيمة. فالكرم مثلاً قيمة ايجابية، لكن الا يحق لنا نقدها؟
9 - مهاجمة الافكار الغريبة او الشاذة، فالأفكار الابداعية كلها افكار غريبة جداً، وغير مقبولة، وخارجة عن المألوف، وان اي هجوم عليها قد يقتلها، ولذلك نشجع المناهج والكتب المدرسية على تفهم الفكرة الجديدة، واعطائها فرص العيش قبل نقدها.
10 - قبول افتراضات ومسلمات دون فحص او شك. فهناك الكثير من افتراضاتنا ليست سليمة، ولو سلمنا بهندسة اقليدس مثلاً في ان الارض مستوية، لم نكتشف الهندسة الحديثة - غير الاقليدسية. فزوايا المثلث مثلاً ليست 180 الا اذا كانت الارض مستوية، وهي ليست كذلك، فما بالنا بحقائق ومسلمات اجتماعية وثقافية؟
11 - عدم التمييز بين المختلفات، مثل الرأي والحقيقة او السبب والنتيجة، او الشخص وأفكاره، وغير ذلك مما يشكل بيئة مدرسية خالية من الدقة  والفحص.
12 - التمسك بمقياس دقيق يسمى: نقطة الصفر، بما يعني ان ما قبل النقطة كله صحيح وما بعدها كله خاطئ، ومناهجنا تضع نقاط صفر عديدة.. بين فترات او بين قضايا او ثقافات الجاهلية والاسلام، تفكير المرأة وتفكير الرجل، نحن والآخر: كل ما لدينا صحيح وما لديهم ليس كذلك.
كما ان وضع مقياس دقيق نقيس بموجبه احداث التاريخ او الثقافات يؤدي الى التزمت وغياب الصواب.
14 - الاكتفاء بالمترتبات المباشرة دون البعيدة، ان اي سلوك قد ينتج نتائج مباشرة: سلباً أو ايجاباً، ولكن قد يحدث مترتبات بعيدة المدى معاكسة تماماً. مثل:
- اجراءات زيادة رواتب الموظفين تحدث فرحاً مباشراً، ولكنها قد تحدث اضراراً اكثر خطورة في المستقبل.
- قسوة المعلم قد تحدث حماسة لدى الطلاب، لكنها قد تقتل دوافع  التعلم.
- وجود عاملات المنازل.. الخ.
15 - الشخص الموثوق صادق دائماً، ونقبل كلامه دون فحص. فنحن لا نميز بين الشخص وما يقول. وكذلك الشخص غير الموثوق.
16 - العقل الجمعي والعقل الفردي، حيث غالباً ما تركز المناهج على عقل جمعي، مثل "الاردنيون النشامى، والمسلمون الصادقون. والعلمانيون المنحرفون"، وغير ذلك مما قد يعيق العقل الفردي عن التدقيق والتأمل والحكم. وكلنا نعرف كيف سيطر العقل الداعشي علينا في الاحداث التي مررنا بها في علاقتنا بالآخر الاردني، فكيف بالاجنبي؟
إن المناهج والكتب المدرسية، مطالبة ببناء بيئة تربوية خالية من هذه المغالطات.  وهذا يتطلب بيئة منفتحة قابلة للجديدة مؤمنة بالتغير. فالانفتاح الفكري على الذات اولاً وعلى الآخر المختلف ثانياً، وعلى الحضارة ثالثاً، هو ما يجب ان يميز البيئة المثيرة للتفكير، وهذه البيئة يجب ان تخلو من المغالطات وموانع التفكير.. فآحداث الكتب المدرسية وانشطتها يجب ان تعالج هذه المغالطات.

وسأقدم بعض الامثلة مما تستطيع اكتب التركيز عليه:
المثال الأول:
قال احدهم: انه شاهد ثلاث سيدات في قرية اردنية يجلسن على مقهى الرصيف المكتظ بالرجال والنساء في احد الشوارع العريضة، بملابس صيفية انيقة، يشربن "الكابتشينو" وبعد الانتهاء دفعن الفاتورة باستخدام بطاقة الاكسبرس.
نسأل: ما المغالطات في هذا النص؟
اجابات محتملة:
- سيدات يجلسن وحدهن في القرية.
- سيدات يجلسن على مقهى رصيف.
- وجود مقهى رصيف في القرية.
- المعنى مختلط.
- الشوارع عريضة في القرية.
- الملابس الصيفية الانيقة.
- قهوة الكابتشينو.
- وجود فاتورة في القرية.
- وجود آلة للدفع بالبطاقة.
ان وجود مثل هذا النشاط سيجعل الطالب اكثر حذراً عند قراءة اي نص.

 

المثال الثاني:
علي جزار يبيع دائماً اللحم البلدي، وفي احد الايام وهو مندمج بالعمل في مكتبه، جاءت سيدة وطلبت منه كغم لحمة، واربع تفاحات ورغيفين من الخبز الساخن. ولما كان الجزار غير قادر على تأمين كل هذه الحاجات الضخمة بسرعة، فقد اقنع السيدة بانه سيرسل هذه الطلبية الى المنزل مع احد عماله، لان حجم الطلبية اكثر من ان تحمل باليد.
ما المغالطات في هذا النص؟
الاجابات:
1 - الجزار لا يجلس في مكتب.
2 - الجزار لا يبيع تفاحاً وخبزاً.
3 - ليس لديه خبز ساخن.
4 - الطلبية ليست ضخمة بحيث لا يستطيع الجزار انجازها.
5 - الطلبية صغيرة، وليست مما لا يمكن حمله باليد.
اذن نحن ندرب طلابنا على كشف المغالطات، ونمكنهم من الانتباه واعمال الفكر الناقد، وعدم قبول ما ينشر او ينقل الينا دون فحص.

 

المثال الثالث: اخطاء في الاستدلال:
لنقرأ المثال الآتي: 
مقدمة: كل العرب مسلمون.
مقدمة: بعض المسلمين لا يصلون.
النتيجة: كل العرب لا يصلون.
هذه نتيجة خاطئة، لا يمكن استدلالها من المقدمتين، لاننا تحدثنا عن بعض المسلمين وليسوا كلهم.

 

المثال الرابع: اخطاء احصائية:
"كل المجرمين شربوا الحليب وهم أطفال"
هذه حقيقة:
الاستنتاج: الحليب يؤدي الى الجريمة!
هل هذا استنتاج صحيح؟

 

المثال الرابع: أخطاء اهمال بعض الأدلة:
قال باحث: تمت مقابلة خمسة طلاب ممن تفوقوا في التوجيهي، وقالوا ان نجاحهم يرجع الى وجود دوافع قوية لديهم.
واستنتج: ان الدوافع القوية تؤدي الى الحصول على علامات مرتفعة، هل هذه نتيجة صحيحة؟ كيف ننقدها؟
- هناك طلبة لديهم دوافع قوية ولم يتفوقوا.
- هناك طلبة ليس لديهم دوافع قوية وتفوقوا.
كيف ندمج هذه الانشطة في الكتب المدرسية:
هناك اتجاهات متنوعة في هذا الصدد مثل:
1 - ان نجعل هذه الانشطة هي المادة نفسها، وان نقدم كمادة الدرس مثل:
عرض صورة لمائدة عليها ادوات ومواد غذائية مختلفة ونقول للطلاب:
- اين تتوقع وجود هذه المائدة؟ ما ادلتك؟
- هل هي مائدة فطور أم غداء ام عشاء؟ ما ادلتك؟
- هل هي مائدة اردنية ام غير اردنية؟ ما ادلتك؟ 
- ما المستوى الاقتصادي لمن نظم هذه المائدة؟
- هل سيكون الجلوس مختلطاً؟
- ماذا لو زاد عدد الزوار عن عدد الكراسي؟
- لو كانت في بيتك ماذا تضيف؟ ماذا تخذف؟

 

نلاحظ في هذا الدرس اننا نخاطب الطلاب، ونجعلهم ملتصقين بأحداث الدرس، بل هم الطرف الفاعل، كما نلاحظ عدم وجود اجابات صحيحة وخاطئة، فكل اجابة لها ما يبررها.

كما نلاحظ ان الطلاب سيستخدمون خبراتهم في الاجابات ويستخدمون تفكيرهم وحواسهم بما يشير انه جميعاً قادرون على المشاركة، وربما كان الطلاب غير المتفوقين تقليدياً اكثر تفاعلاً من غيرهم.

ونستطيع في هذه الدرس ان نحوله الى أي مادة دراسية مثل لغة عربية، انجليزي، رياضيات، علوم، تغذية، تربية وطنية دون ان نجري اي تعديل على مادة الدرس.

لغة عربية: اكتب ثلاث جمل تعبر عن الطاولة؟ عن محتوياتها؟ عن المناسبة... الخ.
لغة انجليزية: نفس عبارات اللغة العربية السابقة.
التربية الاسلامية: ما الاغذية الحلال؟ الحرام؟ لو كانت المائدة اسلامية بماذا نبدأ؟ بماذا ننتهي... الخ.
الرياضيات: كم عدد الضيوف؟ عدد الصحون؟ 
اذا كان لكل شخص ملعقة، شوكة، سكينة فكم عدد القطع اللازمة؟
ما ارتفاع الطاولة؟ طولها؟ عرضها.. الخ.
العلوم: ما المواد الكيماوية المستخدمة  في المادة؟
- ما انواع الطعام الصحي؟ غير الصحي الموجود على المائدة؟
- ما كمية الملح اللازمة ؟.. إلخ.
التربية الوطنية: ما القيم التي تعكسها هذه المائدة؟
- ما مدى الكرم؟ العلاقات الاجتماعية؟
كيف تتصرف بروتوكولياً ؟.. الخ.

 

إننا قدمنا درساً دون اي كلمة مكتوبة، من خلال عرض صورة.
قد يوضح المعلم ابعاد هذه الصورة في خمس دقائق ثم يترك للطلبة القيام بالنشاط.

وقد يغني هذا الدرس- الصورة عن عدد من الصفحات في كتب دراسية مختلفة.
وبذلك نحقق:
- كتاباً مدرسيا خفيفًا ومحبوباً.
- نشاطاً عقلياً واجتماعياً عالياً.
- حباً للمدرسة والدروس.
- تغييراً اساسياً في دور المعلم.
- طلاباً جميعهم متفوقون.
اذن لماذا لا نعمل هكذا..؟

اننا نستطيع وبسهولة وبقدر من الجهد ان نحول كتبنا كاملة او بعض وحداتها، او بعضها الى كتب تحفز النقد  والبحث عن المغالطات او تحفز التفكير.

2- أما الاتجاه الثاني فهو أن نضيف هذه الانشطة الى المادة الموجودة اصلاً، كأن تكون على شكل اسئلة أو واجبات أو نشاطات فردية ومجموعة داخل الحصة.
مثال: في درس اللغة العربية:
نضيف للدرس اسئلة وتمرينات مثل:
- كم طفلا في الأسرة؟ من أكثرهم تقديراً للنظام؟
- قام الاب بثلاثة سلوكات خاطئة، ما هي؟.... الخ.
اننا في مثل هذه الاحوال نضيف عبئاً جديداً على المعلم والطالب، لكن يمكن تحمل ذلك من خلال تكليف الطلاب بها كواجبات بيتية، أو حذف بعض الانشطة التقليدية في الكتاب.
مثال: في التربية الاسلامية:
في درس الصيام، يمكن اضافة انشطة مثل:
- اكتب رسالة الى صديق لا يصوم حول مشاعر الصيام.
- قدم مقترحات للصائمين من اجل تخفيف الانفاق في رمضان.
- ضع خطة لزيادة الانتاجية في رمضان مع خطة جديدة لإدارة وقت الصائم.
ان هذه الانشطة لا تشكل عبئاً على المنهج او الطالب او الكتاب.

المناهج والتعليم من خلال التفكير: مبادئ أساسية.. قبل التطبيقات (2 - 3)

الناشر
كلمات دلالية

 

ذات علاقة

فيديو

تأهيل و تدريب المعلمين

اغلب المعلمين لا يعرفون اسس التعليم
26 نيسان 2017
فيديو

المعلم : الحلقة المفقودة

المسؤول عن مستقبل الدولة
17 نيسان 2017
فيديو

لا معايير للمعلم

8 نيسان 2017

من مالنا

بحث
21 أذار 2017
مقال
2 November 2016
فيديو
27 تموز 2017
فيديو
29 أذار 2017
فيديو
19 November 2017
بحث
24 آب 2016