مقال

نهضتنا في تعليمنا.. نظرة في ما هو أبعد من تعديل المناهج

تطوير المناهج بشكل يتناسب مع حاجات العصر المتسارعة، وحجم الحوسبة التي باتت مرافقة لكل تفاصيل حياتنا.
21 December 2016
شارك

ما أحوجنا إلى حوارات معمقة في عديد من القضايا التي تمس الوطن والمواطنين، فلا شك أن الحوار أهم أداة تخص الإنسان العاقل، فتجعله أكثر تسامحاً وتقبلاً، وتميز نضج المجتمعات ورغبتها في التطور والنماء. ولكن الحوار الذي أعنيه هو ذلك الحوار الذي يرتكز على قراءات معمقة للقضية المعنية، قراءات موضوعية بعيدة عن التحيز والنظرة المسبقة والعموميات، وغير ذلك يكون كذر الرماد في العيون، واستنفاداً للطاقات، وتغييباً للقضية الرئيسية وعزلها عن جوهرها، وتفتيتاً للجهود بدلاً من تجميعها، الأمر الذي يعيق نماء الإنسان الأردني فلا يعود قادراً على المشاركة في صناعة الحضارة الإنسانية. إن قضيتنا المركزية هو الإنسان الأردني، وكل فعل لا يضع الإنسان ونماءه وتطوره في البؤرة لا يعول عليه. إننا نريد لهذا الإنسان أن ينطلق إلى الأمام بقوة وثقة، ليغدو منتجاً حضارياً ومساهماً فاعلاً ليس في تطور وطنه فحسب بل في عمار الإنسانية جمعاء. ولعل مدخلاً مهماً من المداخل التي تساهم في بناء هذا الإنسان هو التعليم. وهنا تقفز مصفوفة من الأسئلة المهمة: هل حقق التعليم بمناهجه السابقة ذلك؟ ألم يجلس طالب أميّ لامتحان الثانوية العامة هذا العام؟ وماذا عن آلاف الطلبة الذين لا يجيدون القراءة والكتابة في الصفوف الثلاثة الأولى؟ وكم من أم وأب شكا بحرقة عن جهل ابنه في قضايا بسيطة أو في تاريخ هذه الأمة؟ وكم من طالب عاجز عن تسمية شعراء أردنيين أو فيلسوف من فلاسفة العرب المسلمين الذين أضاؤوا للغرب ليلهم الطويل؟ وهنا لا بد من وقفة تأملية مع الذات، وأقول بكل شفافية إن تراجعاً كبيراً أصاب مخرجات التعليم في الأردن، والسبب الرئيس في هذا التراجع يعود إلى المدخلات ومن أهمها المناهج. وهنا لا بد من النقد الذاتي وطرح الأسئلة الموجعة: كيف سمحنا أن تلغى الفلسفة والمنطق وموضوعات أخرى من المناهج؟ وأين كانت الأصوات التي كان يجب عليها أن تنادي بتأهيل المعلمين وتطوير أداءاتهم وتحسين مستواهم المعيشي لكي يكونوا قادرين على البذل والعطاء؟ ولماذا لم تبارك هذه الأصوات محاولات النهوض بالتعليم والمبادرات التي انطلقت من أجل ذلك؟ وكيف ترضى هذا الأصوات ألا تشمل المناهج مكونات الشعب الأردني كلها؟ كيف قبلنا أن تختزل المناهج فلا تلامس وجدان الطلبة ولا ميولهم؟

ولكن السؤال الأهم: هل تعديل المناهج الذي جرى مؤخراً يحل لنا معضلة التعليم في وطننا؟

إن التعديلات التي جرت لم تكن في مستوى الطموح، فهي لا تلبي متطلبات النهوض بالإنسان الأردني. فالمناهج التي نرنو إليها هي تلك المناهج التي تحث على التفكير والإبداع والبحث وتستفز الفضول العلمي، هي التي تحاكم وتنقد وتسائل بجرأة ووضوح دون مواربة، لا تلك التي تعتمد التلقين والحفظ، لأنها عندئذ تخنق طاقة التفتح وتقيد الحرية لدى طلبتنا. ولذا فإننا نتطلع إلى تغيير جذري في المناهج وليس تعديلاً بسيطاً، إننا نريد مناهج تحتفي بالتعدد والتنوع، ترفض التطرف والإقصاء والتهميش، مناهج تدعو إلى المحبة وتقدير الجمال في الفنون جميعها، مناهج تتلاءم والواقع وقادرة على ملامسته والتعبير عنه.

إن من الواجب علينا أن نبني مناهج تهيئ الطالب الأردني للمستقبل، تزوده بعدة السفر للمضي إلى المستقبل بكل وعي وثقة لكي ينافس أفضل طلاب العالم ويتفوق عليهم. وإلى جانب ذلك كله نريد معلماً متفهماً محباً متفتحاً يحرض طلبته على العلم المتطور، لا على العلم المستقر الذي يعني الجهل المستقر كما يقول النفريّ. فنحن نريد نظاماً تربوياً أردنياً عقلانياً أخلاقياً روحانياً يحتفي بالآخر البعيد وبالآخر القريب مهما كان دينه أو جنسه أو ملته. لم تحرز المجتمعات المتقدمة ما وصلت إليه بفضل ثرواتها الطبيعية؛ ولا بمساحاتها الشاسعة، بل بفضل ما تمتلكه من مفكرين ومبدعين وناقدين، فقد قامت الحضارات وتطورت بسواعد أبنائها، وتوظيف قدراتهم وعقولهم. وتعد دُور العلم من أهم المؤسسات التي تسهم في بناء الإنسان، وتتحمل مسؤوليتها تجاه المجتمع في تنميته وتطويره وتمكين أبنائه، ولنا في قصص نجاح بعض الدول مثال حي، فها هي فنلندا الصغيرة بالمساحة وعدد السكان استثمرت بالتعليم فقطعت شوطاً كبيراً في النهضة والتنمية، وكذلك سنغافورة ودول أخرى قريبة منا. وهناك اليابان التي استطاعت أن تنفض عنها غبار الهزيمة بعد الحرب العالمية الثانية بفضل سياساتها التعليمية وإيمانها بالتعليم وسيلة لنهضتها وتقدمها.

لم أكن في يوم من الأيام متشائمة ولا أجيد رسم الصور القاتمة، بل إنني مسكونة بالأمل والتفاؤل، ولكني أقول مايزال الشوط أمامنا طويلاً لكي نصنع من تعليمنا سلماً يرتقي عليه أبناؤنا وبناتنا، وحري بنا أن نوحد جهودنا نحو ذلك التعليم وتلك المناهج التي تصنع الإنسان المتعدد المنفتح العقلاني الذي يقبل الاختلاف ويحتفي به ويقدر المختلف عنه ويحترم رأيه. فالتعليم يمس كل عائلة أردنية، ولذا تقع علينا مسؤولية النهوض بالتعليم وتشجيع المبادرات التي تسعى إلى ذلك، حينئذ ستبزغ الزهرة الخضراء رغماً عن الركام وكل ما قد يغشاها، وسنخرّج مبدعين وعلماء وفلاسفة وقادة وحراساً للذاكرة وزارعي أمل.

 

أنقر الرابط أدناه لقرائة المقالة كاملة

نهضتنا في تعليمنا.. نظرة في ما هو أبعد من تعديل المناهج

الناشر
كلمات دلالية

 

ذات علاقة

فيديو

تأهيل و تدريب المعلمين

اغلب المعلمين لا يعرفون اسس التعليم
26 نيسان 2017
فيديو

المعلم : الحلقة المفقودة

المسؤول عن مستقبل الدولة
17 نيسان 2017
فيديو

لا معايير للمعلم

8 نيسان 2017

روابط خارجية

من مالنا

فيديو
11 أيلول 2016
فيديو
30 أيار 2016
بحث
20 حزيران 2016
Graph returned an error: Unsupported get request. Object with ID '1493246620895543_1841358612751007' does not exist, cannot be loaded due to missing permissions, or does not support this operation. Please read the Graph API documentation at https://developers.facebook.com/docs/graph-api
Issa knows better what could be the problem:
This url is creating issues: https://www.facebook.com/MalnaSeries/posts/18413586127510071493246620895543_1841358612751007